الغزالي
44
إحياء علوم الدين
فقلت أوحى بعد النبي ؟ فقال لا ولكن بصيرة وبرهان وفراسة صادقة . وعن أبي سعيد الخراز قال : دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيرا عليه خرقتان ، فقلت في نفسي هذا وأشباهه كل على الناس . فناداني وقال ، والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه . فاستغفرت الله في سرى ، فناداني وقال ، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده . ثم غاب عنى ولم أره . وقال زكريا بن داود ، دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي وهو عليل . وكان ذا عيال ، ولم يعرف له سبب يعيش به ، قال فلما قمت قلت في نفسي ، من أين يأكل هذا الرجل ؟ قال فصاح بي ، يا أبا العباس . رد هذه الهمة الدنية . فإن لله تعالى ألطافا خفية وقال أحمد النقيب ، دخلت على الشبلي ، فقال مفتونا يا أحمد . فقلت ما الخبر ؟ قال كنت جالسا فجرى بخاطري أنك بخيل . فقلت ما أنا بخيل . فعاد منى خاطري وقال بل أنت بخيل فقلت ما فتح اليوم علي بشيء إلا دفعته إلى أول فقير يلقاني . قال فما استتم الخاطر حتى دخل علي صاحب المؤنس الخادم ، ومعه خمسون دينارا ، فقال اجعلها في مصالحك . قال وقمت فأخذتها وخرجت . وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه ، فتقدمت إليه ، وناولته الدنانير ، فقال أعطها المزين ، فقلت إن جملتها كذا وكذا ، قال أوليس قد قلنا لك إنك بخيل ؟ قال فناولتها المزين ، فقال المزين ، قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا نأخذ عليه أجرا قال فرميت بها في دجلة ، وقلت ما أعزك أحد إلا أذله الله عز وجل وقال حمزة بن عبد الله العلوي ، دخلت على أبي الخير التينانى ، واعتقدت في نفسي أن أسلم عليه ولا آكل في داره طعاما ، فلما خرجت من عنده ، إذا به قد لحقني وقد حمل طبقا فيه طعام وقال ، يا فتى كل فقد خرجت الساعة من اعتقادك . وكان أبو الخير التينانى هذا مشهورا بالكرامات ، وقال إبراهيم الرقي ، قصدته مسلما عليه ، فحضرت صلاة المغرب ، فلم يكد يقرأ الفاتحة مستويا ، فقلت في نفسي ضاعت سفرتي ، فلما سلم خرجت إلى الطهارة فقصدني سبع ، فعدت إلى أبي الخير ، وقلت قصدني سبع ، فخرج وصاح به وقال ، ألم أقل لك لا تتعرض لضيفانى ! فتنحى الأسد ، فتطهرت ، فلما رجعت ، قال لي اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد ، واشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد